مع أول نسمات الخريف يعود صوتا فيروز وعبد الحليم إلى الواجهة، في مزاج وداع لا يميل إلى الحزن بقدر ما يميل إلى الدفء.
انتقال الفصول له صدى في الاستماع قبل أن يكون له صدى في الطقس. فمع تراجع حرارة الصيف يتغير ما يبحث عنه المستمع، ويميل إلى أصوات أبطأ إيقاعًا وأقرب إلى الغناء الطويل النَفَس. صوت فيروز وصوت عبد الحليم ينتميان معًا إلى هذا الحيّز، حيث تُبنى الأغنية على التدرج لا على المفاجأة، وحيث تُترك للجملة اللحنية مساحة تكتمل فيها قبل أن تنتقل إلى ما بعدها. يضاف إلى ذلك أن كثيرًا من هذه الأعمال كُتب أصلًا حول الفراق والانتظار وتبدّل الأحوال، وهي موضوعات تجد في نهاية الموسم سياقًا يناسبها من دون تكلّف.
الوداع في هذا السياق ليس مرادفًا للحزن. حين تمتزج نسمات الخريف بهذين الصوتين يصبح أقرب إلى ذكرى لا تُنسى: شيء انتهى، لكنه يُستعاد بصيغة أليفة بدل أن يُستعاد بصيغة الفقد. وهنا تحديدًا تعمل هذه الأغنيات، لأنها تحتفظ بالدفء داخل موضوع الرحيل نفسه، فيصير الاستماع إليها في نهاية الصيف طقسًا متكررًا يعيد ترتيب المزاج أكثر مما يعيد فتح ما مضى. ولذلك تتكرر هذه الاستعادة كل عام في الفترة ذاتها، حتى صار الاقتران بين الصوتين وبين نهاية الصيف عادة سماعية قائمة بذاتها تنتقل من جيل إلى آخر بلا اتفاق مسبق.