لفترة طويلة، ارتبط التعاون بين فناني شمال أفريقيا بفكرة وجود حاجز لغوي بينهم. اختلاف اللهجات كان حاضرًا في كل نقاش عن تعاون فنان مغربي مع فنان مصري أو من أي بلد عربي آخر. خلال السنوات الأخيرة، المشهد بدأ يتغير. التعاونات بين الفنانين من المنطقة أصبحت أكثر حضورًا، خصوصًا بين مصر والمغرب، ومعها بدأت اللهجات المختلفة تدخل إلى الموسيقى كعنصر أساسي في التجربة.
الحلقة الأخيرة من ’ريد بُل مزيكا صالونات‘ قدمت صورة بسيطة وواضحة لهذا التغيير. جمعت الحلقة بين الرابر المغربي سنور، والرابر المصري سانتا، والمنتج المصري حاتم بس. من أول لحظة، كان هناك انسجام واضح داخل الغرفة، في الموسيقى وفي طريقة تعامل الفنانين مع بعضهم.
بدأ حاتم باس في بناء القاعدة الموسيقية، ومع كل طبقة جديدة كان يفتح مساحة لسانتا وسنور للكتابة والتجريب. بدأت الأفكار تتحرك بينهم بشكل طبيعي، من إيقاع إلى جملة، ومن جملة إلى لحن. كل واحد كان يلتقط ما يقدمه الآخر ويضيف عليه.
أكثر لحظات الحلقة إثارة جاءت مع التحدي الذي وضعته ’مزيكا صالونات‘ أمامهما. سنور يكتب أربع بارات باللهجة المغربية لسانتا، وسانتا يكتب أربع بارات باللهجة المصرية لسنور، ثم يؤدي كل واحد منهما ما كتبه الآخر.
بالنسبة لسانتا، كانت التجربة تعني الدخول إلى كلمات مكتوبة بلهجة مغربية تحمل تفاصيل مختلفة في النطق والتعبير. التقط المعنى من سياق الكلام وإحساسه، ثم بدأ في أداء البارات بطريقته. الفكرة تحولت من محاولة فهم كل كلمة إلى التقاط الحالة التي تحملها الجملة.
سنور عاش تجربة مشابهة من الجانب الآخر. مع دخول الميلوديز التي أضافها حاتم بس، ظهر حماسه بوضوح تجاه الطريقة التي بدأت بها الموسيقى تأخذ شكلها فالاقاعات المصرية أصبحت مساحة جديدة لسنور لبناء الاغنية بشكل جديد و مختلف عن اسلوبه المعروف
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي جعلت الحلقة ممتعة. ثلاثة فنانين من خلفيات موسيقية مختلفة يجلسون في مساحة واحدة، وكل واحد منهم يحمل لغته وطريقته في الكتابة والأداء. الموسيقى صنعت بينهم نقطة مشتركة، والاحترام المتبادل أعطى لكل فكرة مساحة حتى تتطور.
حاتم باس لعب دورًا مهمًا في ربط هذه المساحات. بدأ من القاعدة الموسيقية، ثم ترك لسانتا وسنور حرية اكتشاف الاتجاه الذي يمكن أن يأخذه التراك. مع الوقت، أصبحت اللهجة واللحن وطريقة الإلقاء أجزاء من تركيبة واحدة.
التعاونات بين مصر والمغرب خلال الفترة الأخيرة جعلت فكرة اختلاف اللهجات تبدو أقل أهمية أمام قوة التفاعل نفسه. كل تعاون يضيف طريقة جديدة لفهم الموسيقى في المنطقة، وكل فنان يدخل بجزء من هويته ويترك مساحة لشيء جديد يتكوّن بينهم.